مجمع البحوث الاسلامية

770

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أخاك قائما ويقوم وقام ، فقارئ هذه القراءة أصحب « يحسب » خبرا لغير مخبر عنه مذكور ، وإنّما كان مراده : ظنّي ولا يحسبنّ الّذين كفروا سبقوا أنّهم لا يعجزوننا ، فلم يفكّر في صواب مخرج الكلام وسقمه ، واستعمل في قراءته ذلك كذلك ما ظهر له من مفهوم الكلام . وأحسب أنّ الّذي دعاه إلى ذلك الاعتبار بقراءة عبد اللّه ، وذلك أنّه فيما ذكر في مصحف عبد اللّه : ( ولا يحسبنّ الّذين كفروا انّهم سبقوا انّهم لا يعجزون ) وهذا فصيح صحيح إذا أدخلت ( أنّهم ) في الكلام ، لأنّ ( يحسبنّ ) عاملة في ( أنّهم ) ، وإذا لم يكن في الكلام ( أنّهم ) كانت خالية من اسم تعمل فيه . وللّذي قرأ من ذلك من القرّاء وجهان في كلام العرب وإن كانا بعيدين من فصيح كلامهم : أحدهما : أن يكون أريد به : ولا يحسبنّ الّذين كفروا أن سبقوا ، أو أنّهم سبقوا ، ثمّ حذف « أن » و « أنّهم » ، كما قال جلّ ثناؤه : وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً الرّوم : 24 ، بمعنى : أن يريكم . [ ثمّ استشهد بشعر ] وكذلك قراءة من قرأ ذلك بالياء ، يوجّه ( سبقوا ) إلى « سابقين » على هذا المعنى . والوجه الثّاني : على أنّه أراد إضمار منصوب ب « يحسب » ، كأنّه قال : ولا يحسب الّذين كفروا أنّهم سبقوا ، ثمّ حذف الهمز وأضمر . وقد وجّه بعضهم معنى قوله : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ آل عمران : 175 ، إنّما ذلكم الشّيطان يخوّف المؤمن من أوليائه ، وأنّ ذكر المؤمن مضمر في قوله : ( يخوّف ) ، إذ كان الشّيطان عنده لا يخوّف أولياءه . وقرأ ذلك بعض أهل الشّام : ( ولا تحسبنّ الّذين كفروا ) بالتّاء من « تحسبن » ( سبقوا انّهم لا يعجزون ) بفتح الألف من ( انّهم ) ، بمعنى : ولا تحسبنّ الّذين كفروا أنّهم لا يعجزون ، ولا وجه لهذه القراءة يعقل إلّا أن يكون أراد القارئ ب « لا » الّتي في يعجزون « لا » الّتي تدخل في الكلام حشوا وصلة . فيكون معنى الكلام حينئذ : ولا تحسبنّ الّذين كفروا سبقوا أنّهم يعجزون . ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب اللّه إلى التّطويل بغير حجّة يجب التّسليم لها ، وله في الصّحّة مخرج . قال أبو جعفر : والصّواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ : ( لا تحسبن ) بالتّاء ( الّذين كفروا سبقوا انّهم ) بكسر الألف من ( انّهم لا يعجزون ) بمعنى : ولا تحسبنّ أنت يا محمّد الّذين جحدوا حجج اللّه وكذّبوا بها سبقونا بأنفسهم ، ففاتونا ، إنّهم لا يعجزوننا : أي يفوتوننا بأنفسهم ، ولا يقدرون على الهرب منّا . ( 10 : 28 ) الزّجّاج : معناها : لا يحسبنّ من أفلت من هذه الحرب قد سبق إلى الحياة . والقراءة الجيّدة ( لا تحسبنّ ) بالتّاء على مخاطبة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتكون ( تحسبنّ ) عاملة في ( الّذين ) ويكون ( سبقوا ) الخبر . ويجوز فتح السّين وكسرها . وقد قرأ بعض القرّاء وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالياء ، ووجهها ضعيف عند أهل العربيّة إلّا أنّها جائزة ، على أن يكون المعنى : ولا يحسبنّ الّذين كفروا أن سبقوا . لأنّها في حرف ابن مسعود ( أنّهم سبقوا ) . فإذا كانت كذلك فهو بمنزلة قولك : حسبت أن أقوم ، وحسبت أقوم ، على حذف « أن » ، وتكون أقوم وقام تنوب عن الاسم